الشوكاني
91
فتح القدير
تحمل مطرا ، إنما هي ريح الإهلاك والعذاب . ثم وصف سبحانه هذه الريح فقال ( ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم ) أي ما تذر من شئ مرت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم إلا جعلته كالشئ الهالك الهالك البالي . قال الشاعر : تركتني حين كف الدهر من بصري * وإذ بقيت كعظم الرمة البالي وقال قتادة : إنه الذي ديس من يابس النبات ، وقال السدي وأبو العالية : إنه التراب المدقوق ، وقال قطرب : إنه الرماد ، وأصل الكلمة من رم العظم : إذا بلى فهو رميم ، والرمة : العظام البالية ( وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ) أي وتركنا في قصة ثمود آية وقت قلنا لهم عيشوا متمتعين بالدنيا إلى حين وقت الهلاك ، وهو ثلاثة أيام كما في قوله - تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ( فعتوا عن أمر ربهم ) أي تكبروا عن امتثال أمر الله ( فأخذتهم الصاعقة ) وهي كل عذاب مهلك . قرأ الجمهور " الصاعقة " وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وابن محيصن ومجاهد والكسائي " الصعقة " وقد مر الكلام على الصاعقة في البقرة ، وفي مواضع ( وهم ينظرون ) أي يرونها عيانا ، والجملة في محل نصب على الحال ، وقيل إن المعنى : ينتظرون ما وعدوه من العذاب ، والأول أولى ( فما استطاعوا من قيام ) أي لم يقدروا على القيام . قال قتادة : من نهوض : يعني لم ينهضوا من تلك الصرعة ، والمعنى : أنهم عجزوا عن القيام فضلا عن الهرب ، ومثله قوله - فأصبحوا في دارهم جاثمين - ( وما كانوا منتصرين ) أي ممتنعين من عذاب الله بغيرهم ( وقوم نوح من قبل ) أي من قبل هؤلاء المهلكين ، فإن زمانهم متقدم على زمن فرعون وعاد ثمود ( إنهم كانوا قوما فاسقين ) أي خارجين عن طاعة الله . قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو بخفض " قوم " أي وفي قوم نوح آية ، وقرأ الباقون بالنصب : أي وأهلكنا قوم نوح ، أو هو معطوف على مفعول أخذتهم الصاعقة ، أو على مفعول نبذناهم : أي نبذناهم ونبذنا قوم نوح ، أو يكون العامل فيه أذكر ( والسماء بنيناها بأيد ) أي بقوة وقدرة ، قرأ الجمهور بنصب السماء على الاشتغال ، والتقدير : وبنينا السماء بنيناها . وقرأ أبو السماك وابن مقسم برفعها على الابتداء ( وإنا لموسعون ) الموسع ذو الوسع والسعة ، والمعنى : إنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها لا نعجز عن ذلك ، وقيل لقادرون ، من الوسع بمعنى الطاقة والقدرة ، وقيل إنا لموسعون الرزق بالمطر . قال الجوهري : وأوسع الرجل : صار ذا سعة وغنى ( والأرض فرشناها ) قرأ الجمهور بنصب " الأرض " على الاشتغال . وقرأ أبو السماك وابن مقسم برفعها كما نقدم في قوله ( والسماء بنيناها ) ومعنى فرشناها : بسطناها كالفراش ( فنعم الماهدون ) أي نحن ، يقال مهدت الفراش : بسطته ووطأته ، وتمهيد الأمور : تسويتها وإصلاحها ( ومن كل شئ خلقنا زوجين ) أي صنفين ونوعين من ذكر وأنثى وبر وبحر وشمس وقمر وحلو ومر وسماء وأرض وليل ونهار ونور وظلمة وجن وإنس وخير وشر ( لعلكم تذكرون ) أي خلقنا ذلك هكذا لتتذكروا فتعرفوا أنه خالق كل شئ وتستدلوا بذلك على توحيده وصدق وعده ووعيده ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) أي قل لهم يا محمد : ففروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم عن الكفر والمعاصي ، وجملة ( إني لكم منه نذير مبين ) تعليل للأمر بالفرار ، وقيل معنى ( ففروا إلى الله ) اخرجوا من مكة . وقال الحسين بن الفضل : احترزوا من كل شئ غير الله ، فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه . وقيل فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن ، وقيل فروا من الجهل إلى العلم ، ومعنى ( إني لكم منه ) أي من جهته منذر بين الإنذار ( ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) نهاهم عن الشرك بالله بعد أمرهم بالفرار إلى الله . وجملة ( إني لكم منه نذير مبين ) تعليل للنهي ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) في هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيان أن هذا شأن الأمم المتقدمة